السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

197

مفاتيح الأصول

بالإجماع فيلزم أن يشمل جميع الأفراد النادرة والالتزام بخطاء هؤلاء في الجواب مع كثرتهم ودقة نظرهم ووفور تحقيقهم بعيد عن سنن الصواب لا يقال أن مستند الإجماع في ثبوت حكم الإطلاق لبعض الأفراد النّادرة لا يخلو إما أن يكون هذا الإطلاق أو خطاب آخر والأخير مدفوع بالأصل لأنه أمر حادث لم يقطع بصدوره فالأصل يقتضي عدمه فانحصر في الأول وهو المطلق ولا يجوز النقض بالحكم بعدم شمول الخطاب الموضوع للذكور للإناث لأن هذا الأصل وإن كان مقتضاه الحكم بالشمول فيه أيضا لكن عارضه أصالة عدم التّجوز والتغليب اللازمين على تقدير الشمول لأنا نقول الأصل المزبور معارض هنا بأصالة حمل المطلق على الفرد الشائع فيكون كالخطاب الموضوع للذكور في عدم الشمول للإناث لا يقال هذا حسن لو جعلنا شيوع الفرد قرينة لحمل اللَّفظ عليه وصرفه إليه وأما على تقدير جعله موجبا للتشكيك في تعلَّق الحكم بالماهية الكلية الشاملة لجميع الأفراد أو بالفرد الشائع كما هو التحقيق فلا لأن الشكّ لا يعارض الأصل كما لا يخفى لأنا نقول ولا المختار عندنا هو القسم الأول لأن الغلبة مرجعها إلى العهد كما لا يخفى وثانيا أنا لو تمسكنا بأصالة عدم تعدّد الخطاب لزمنا أن نحكم بأنه قد حصل للمجمعين دليل يدل على أن المراد بالمطلق ما يعمّ جميع أفراده الغالبة والنادرة إذ لولاه لما جاز لهم أن يتفقوا على ثبوت حكم المطلق لبعض الأفراد النادرة بنفس الإطلاق لأن الغلبة توجب التّشكيك في إرادة الإطلاق ومن الظاهر أن الدّليل المذكور أيضا حادث والأصل عدمه وقد يقال إذا تعارض الأصلان وجب الرجوع إلى أصالة حمل الإطلاق على ظاهره لأنه معناه وقد تقرر أن اللفظ وجب حمله على معناه الحقيقي ما لم يظهر قرينة معاندة ويعضده غلبة استفادة أحكام الجزئيات والأفراد من خطاب واحد عام أو مطلق وقد يناقش في هذا بأن أصالة بقاء الإطلاق على ظاهره معارضة بأصالة عدم رجوعه إلى العموم وعدم ثبوت الحكم المعلق عليه لجميع الجزئيات وبالجملة المسألة لا تخلو عن غموض والحكم المعلق على الإطلاق لجميع أفراده حتى النادرة في محل الفرض جرأة عظيمة مفتاح إذا ورد مطلق ومقيد واختلفا حكما نحو أطعم تميما عالما فلا تقييد ولا يحمل المطلق على المقيد اتفاقا حكاه العلامة في النهاية وولده في شرح المبادي والشهيد في القواعد والسّيد عميد الدّين في المنية والشهيد الثاني في التمهيد وولده في المعالم والفاضل البهائي في الزبدة وصاحب غاية البادي فيه والعضدي في شرح المختصر والأسنوي في غاية السّؤل والأصفهاني في شرح المنهاج والطوسي في كاشف الرّموز وغيرهم قيل هذا الإجماع نقله أكثر الأصوليّين والوجه فيه واضح جدا ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخطابان المتضمنان لهما من جنس واحد بأن يكونا أمرين أو نهيين أو لا بأن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا وكذا لا فرق بين أن يتحد موجبهما أولا وقد صرح بذلك في المعالم وشرح المختصر بذلك وخالف فيه بعض العامة فإن الأسنوي حكى في غاية السّؤل عن القرافي أنه حكى عن أكثر الشّافعية أنهم يحملون المطلق على المقيد عند اختلاف الحكم إذا اتحد سببهما وهو ضعيف ومخالف لإطلاق أكثر الأصوليّين وصريح جماعة منهم الآمدي لا يقال يلزم على ما ذكرت أن لا يحمل المطلق على المقيد فيما إذا ورد من الشرع أعتق رقبة لا تملك رقبة كافرة لتخالف حكمهما وهو باطل بالاتفاق وقد حكاه في غاية البادي وشرح المختصر لأنا نقول إنما يحمل المطلق على المقيد هنا لما ثبت عن الشرع من لزوم كون العتق في ملك ولولاه لما حكمنا به قطعا وما ذكرناه من القاعدة إنما يعتبر حيث لا يكون هناك ما يقتضي التقييد من إجماع أو استلزام عقلي أو شرعي أو عرفي وأما معه فلا يتمشى جدا ومن هنا ظهر وجه استثناء جماعة كالعلامة في النهاية والسيّد عميد الدّين والشهيد الثاني وصاحب غاية البادي والعضدي والطَّوسي والآمدي على ما حكى الصّورة المفروضة عن القاعدة المزبورة مفتاح إذا ورد أمر بماهية مطلقة وكان متعلقا بمكلَّف نحو أعتق رقبة وورد أيضا نحو ذلك الأمر أمر آخر متعلق بنوع أو صنف من تلك الماهية وبذلك المكلف نحو أعتق رقبة مؤمنة وعلم باتحاد سببهما وبأنه لم يجب على ذلك المكلف إلا فعل واحد وبالجملة علم بوقوع التعارض بين ظاهريهما بحيث لا يمكن العمل به فهل يجب هنا حمل المطلق على المقيد أو لا صرح بالأول في العدة والمعارج والنهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية وقواعد الشهيد وغاية المأمول والمعالم والمختصر وشرحه للعضدي والمعارج ولهم وجوه منها دعوى الإجماع على ذلك في العدة والنهاية والمنية والزبدة وفي المعالم لا يعرف فيه خلافا في حاشية جدي رحمه الله على المعالم هو الظاهر من فقهائنا في مسائل الفقهية من دون تأمل كما هو طريقتهم في تخصيص العمومات ومنها أن ذلك هو المفهوم عرفا كما لا يخفى وأشار إلى ما ذكر جدي رحمه الله فقال لأن مكالمات الأئمة عليهم السلام طريقها طريق المكالمات العرفية فإنهم يبنون على التخصيص في العمومات والتقييد في المطلقات والوجه في الكلّ واحد لأن المطلق يرجع إلى العموم فالمقيد مخصص ومنها ما تمسّك به في المختصر وشرحه للعضدي من أنه يخرج بالعمل بالمقيّد عن العهدة يقينا سواء كان مكلَّفا بالمطلق أو بالمقيد بخلاف العمل بالمطلق إذ قد يكون